محمد جمال الدين القاسمي
360
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لطيفة : إن قلت : قد أسند تعالى هنا التزيين إلى الشيطان ، وأسنده إلى نفسه في قوله : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [ الأنعام : 108 ] . فهل هو حقيقة فيهما . أو في أحدهما ؟ قلت : وقع التزيين في مواقع كثيرة : فتارة أسنده إلى الشيطان ، كالآية الأولى ، وتارة إلى نفسه كالثانية ، وتارة إلى البشر كقوله زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] . - في قراءة - وتارة مجهولا غير مذكور فاعله كقوله زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ [ يونس : 12 ] ، لأن التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة : أحدها : إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر ، كقوله تعالى : زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا * ، والثاني : جعله مزينا من غير إيجاد ، كتزيين الماشطة العروس ، والثالث : جعله محبوبا للنفس ، مشتهى للطبع ، وإن لم يكن في نفسه كذلك . فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى اللّه ، لأنه الفاعل له حقيقة ، لإيجاده له ، ولغة ونحوا لاتصافه بخلقه . وإن كان بمجرد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه ، كالوسوسة والإغواء ، فهذا لا يسند إليه تعالى حقيقة ، وإنما يسند إلى البشر أو الشيطان ، وإذا لم يذكر فاعله ، يقدّر في كل مكان ما يليق به - كذا في ( العناية ) - . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 44 ] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي : من البأساء والضراء ، أي تركوا الاتعاظ به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي : من النعم ، كالصحة والسعة وراحة البال والأمن ، وصنوف رغائبهم ، استدراجا وإملاء ومكرا بهم ، عياذا باللّه من مكره ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من مطالبهم ورغائبهم ، مع الشرك أَخَذْناهُمْ أي : بالعذاب المستأصل ، بَغْتَةً أي : فجأة بلا تقديم مذكّر ، إذ لم يفدهم في المرة الأولى ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ متحسرون ، يئسون من كل خير . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 45 ] فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي : آخرهم . كناية عن الاستئصال ، لأن ذهاب